أنت لست كما تظن..أنت ما تسمح له أن يعبر
أسرار ابراهيم
تأمل في المدخلات التي تعيد تشكيلنا بصمت
وأنا أجول بناظري في الغرفة، وقعت عيني على المكتبة، وتحديدا على ملاحظة صغيرة كتبتها بيدي
«انتبه لمدخلاتك» توقفت عندها، وكأنها لم تُكتب لي في الماضي، بل كأنها وضعت هنا الان
وجدتني أتساءل
هل يدرك الإنسان أنه كائن يتكون من مدخلات ومخرجات؟
وأن كل ردة فعل، وكل عبارة، وكل نظرة، ليست إلا مدخلا جديدا يُضاف إلى داخله؟
هل يدرك عظمة ما يحتويه، وخطورة ما يسمح له بالعبور إليه؟
تندفـع الأسئلة في ذهني دون محاولة حقيقية للإجابة ، ليس عجزا، بل لأن بعض الأسئلة تحتاج إلى وعي أطول من جواب سريع , لكن الآن لنحاول أن نجيب معا, فالإنسان من حيث لا يشعر، يتشكل يوما بعد يوم مما يقرأ، مما يسمع، ممن يرافق ومما يسمح له أن يلامس قلبه وعقله
لدينا جميعا خمسة مداخل أساسية:
ما نسمع، وما نشاهد، وما نأكل، وما نشم، وما نلبس
قد تبدو مداخل عادية يومية، لا تستحق الانتباه، لكن كل واحد منها ليس بريئا وعادية
كلها مداخل لشيء يؤثر علينا، في وعينا دون أن نتبه
لدينا أول مدخل، وهو ما نسمع
وأول ما يتأثر به الإنسان هو كل ما يمر عبر الأذن: كلام تشكيك، تطبيع، تشكي، موسيقى، وأحاديث عابرة. والمحزن أن الإنسان يعتقد أن لديه مناعة تجاه كلام الناس، وأن ما يُقال حوله لا يؤثر فيه، لكن الحقيقة أن الأذن لا تمتلك وعيا أخلاقيا، ولا تُدرك إن كان ما يُسمع نافعا أو ضارا، ولا تميز إن كان الكلام موجها له أو لغيره. هي لا تختار، ولا تحاكم، ولا ترفض هي مجرد ممر ناقل فقط وما يمر عبرها يجد طريقه إلى العقل، ثم يعود إلينا لاحقا على هيئة رأي نظنه ذاتيا، بينما هو في حقيقته صدى لما سمعناه يومًا دون انتباه.
لدينا ثاني مدخل، وهو ما ننظر إليه
إن عملية النظر، بالنسبة لي، ليست مجرد فعل بسيط بل هي عملية تركيب معقّدة، أنتِ ترين كل شيء حولك، لكن في اللحظة التي تدركين فيها أن ما ترينه هو أنتِ، تفهمين أن العين لا تُبصر بقدر ما تنقل، قد تبدو العبارة بلا معنى، لكن كل المعنى يكمن في وظيفة العين فهي لا تفعل شيئًا سوى نقل ما تراه إلى داخل العقل إلى أرشيف لا نتحكم فيه ثم يحدث لاحقًا ما لا ننتبه له، قد تستيقظين ذات يوم وتجدين نفسك غير راضية عمّا لديك، دون أن تفهمي السبب، نظن أن الأمر نقص أو تقصير، لكن الحقيقة أنكِ طوال شهور من حياتك كنتِ تُغذّين نظرك، تنظرين إلى الآخر، وتدخلين في مقارنة صامتة، غير عادلة، حتى تصبح جزءًا من طبيعتك.
لدينا ثالث مدخل وهوما نأكل
أحد أكثر الأشياء وضوحًا في تأثيرها علينا هو ما نأكل، لكن المعضلة أن الإنسان يظن أن الأكل مجرد “استهلاك”
كأنه يملأ معدته فقط ولا يعلم أن الطعام هو مدخل يؤثر على كل ما تبقى من حياته ،يعتقد البعض أنه يعيش ليأكل
ولا يدركون أننا في الحقيقة نعيش لنأكل، كل رد فعل لنا، كل مزاج، كل طريقة نفكر بها تبدأ بما يدخل جسدك , ومنذ الصغر عندما تعلمنا أن العقل السليم في الجسم السليم ،وهنا يكمن جوهر الموضوع ما نأكله لا يؤثر على الجسد فقط ،بل يؤثر على ما نشعر به، وعلى كيف نرى الحياة الأكل ليس مجرد غذاء إنه مادة تدخل الى دواخلنا وتترجم الى شعور.
لدينا رابع مدخل وهو ما نشم
أتذكر ذلك اليوم الذي عدت فيه من المدرسة، متعبا وجائعا، وتذكرت رائحة طعام أمك ربما أنتِ تذكرين مثلما أتذكر
أن الشم هو مدخل خفي لا يعمل مثل الحواس الأخرى، الشم لا يمر مرورا عاديًا، بل يرتبط بالمشاعر القوية، مع رغبات جامحة فالرائحة لا تختار لنا ما نُفكر به بل تختار لنا ما نتذكر، قد تدخل إلى أنفك رائحة بسيطة يبدو أنها بلا معنى
ثم تُعيدك إلى مكان، إلى شخص، إلى شيء لم يعد موجودا، ففي تلك اللحظة، يبدأ الشعور بالتكوّن داخلنا، دون أن نملك تفسيرا له، الشم ليس مجرد إحساس هو مدخل يفتح بابًا داخلنا، يوقظ ذكريات، ويُعيد تشكيل حالتنا، كأنها تعيد لنا لحظة كاملة في ثوانٍ وهنا يكمن سر قوته أننا لا ننتبه إلى أنه يدخلنا، لكننا نكتشف أثره بعد أن يكون قد خلق فينا شعورًا كاملًا.ومثلما يتشكل الإنسان بالكلام وبالمشاهدة ،يتشكل أيضًا بالشم، دون أن يدري.
لدينا خامس مدخل وهو ما نلبس
أتذكر ذلك اليوم الذي أنهيت فيه قطعة الصوف التي صنعتها بيدي شعرت بثقة عظيمة، وكأن قوة خفية تملكتني، فهمت حينها أن ما نلبسه ليس مجرد قماش، بل مدخل يصنع صورة ذهنية عنا لدى الاخرين، هل نبدو أكثر ثقة؟ أم أكثر بساطة؟ أم أكثر غرورًا؟ كل ذلك يُبنى في لحظة، من خلال اختيار بسيط، لكن الأهم هو أن اللبس ليس فقط صورة يكونها الآخرون عنا، بل هو أيضا صورة نكونها عن أنفسنا عندما نختار ما نلبس، لا نختاره لأنّه أجمل أو أرتب نختاره لأننا نريد أن نرى أنفسنا بطريقة معينة، ونريد أن ينظر إلينا الآخرون بطريقة معينة ولأن الإنسان لا يدرك هذا، يجد نفسه يوما ما يرتدي شيئًا لا يشبهه ولا يشبه ما يريد أن يكونه ،ما نلبسه يؤثر على تعامل الناس معنا ومزاجنا وثقتنا بأنفسنا وبذلك، نعيد تشكيل أنفسنا يوميًا، من خلال شيء بسيط جدًا لكنه أقوى مما نعتقد.
في النهاية، كل هذه المدخلات تخرج لنا مخرجات عشوائية، مبنية على ردود فعل لم ندركها، ولم نختَرها فنحن يعاد تشكيلنا يوميًا، ونحن لا نعلم أن ما نسمعه، وما نراه، وما نأكله، وما نشمه، وما نلبسه يُعيد بناء شخصيتنا بدون استئذان لذلك عزيزي القارئ، وعزيزتي الكاتبة، في المرة القادمة التي تقرر فيها أن تسمع أو تشاهد أو تأكل أو تشم أو تلبس شيئًا حاول أن تكون واعيًا، ليس من الضروري أن تكون بكامل الوعي ،بل مجرد محاولة أن تكون واعيًا تكفي.
فلتكن حاضرًا في مداخلك ،فهذا هو الفرق بين أن تكون أنت وبين أن تُصبح نسخة من شيء دخل إليك دون أن تدري.
أسرار أبراهيم