تكمن حقيقتنا في تعددنا
لم يكن هذا تناقضا بل أمتداد
بقدر اتساع الكون نتسع نحن في داخلنا، ونمتد إلى أبعاد وأجزاء لا نعرفها تماما فنجد أنفسنا أمام تساؤلات لا تملك إجابة واحدة
من نحن حين نكون وحدنا؟
ومن نكون حين نكون مع الآخرين؟
ذات يوم، ربما حاول كثير منا أن يسترجع ملامح طفولته، أفكارها و ضجرها، واختراعاتها الصغيرة من الخيال. لكن المفارقة أننا لا نجد دائما شيئا واضحا لا ذاكرة مكتملة، ولا تفاصيل يمكن الإمساك بها، بل صمت هادئ يملأ المكان
وفي ذلك الصمت يبرز سؤال
هل نحن اليوم امتداد لأولئك الأطفال الذين كناهم؟
قد يبدو هذا السؤال للبعض بلا معنى، فنحن بطبيعة الحال لا نبقى كما كنا في طفولتنا وربما نتفق مع ذلك... ونختلف معه في الوقت نفسه
ما يدفعنا إلى التوقف عند هذا السؤال هو ملاحظتنا للصفات الكامنة فينا تلك الصفات التي تبدو وكأنها ابتعدت كثيرا عن البذرة الأولى التي بدأنا منها وربما أقول ربما، لا تختفي تلك البذور أبدا، بل تنمو وتتفرع مع أشخاص مختلفين، وفي أماكن ومواقف متعددة، حتى يصعب علينا ملاحظتها
لكنها كثيرا ما تظهر بصورتها الأكثر صدقا حين نكون وحدنا، وكأنها تجد في الصمت مساحة لتعلن وجودها
حين ننصت إلى وحدتنا، نبدأ بملاحظة ما يختبئ في داخلنا فقد يكتشف بعضنا ميله إلى الصمت، ويجد آخرون أن الكتابة تعبر عنهم أكثر من الكلام، أو أن الهدوء الذي يبحثون عنه ليس هروبًا من العالم، بل جزءا أصيلا من تكوينهم، ظل حاضرًا وإن ظنوا يومًا أنهم ابتعدوا عنه
لكننا، حين نكون بين الآخرين، لا نتصرف دائما بالطريقة نفسها، وكأن لكل موقف نسخة مختلفة منا تظهر دون أن نستدعيها
وهنا يفرض سؤال آخر نفسه
هل هذه التغيرات مجرد أثر للأشخاص والأماكن؟
أم أنها أجزاء حقيقية في داخلنا، لكل منها حضوره الخاص؟
كثيرا ما نشعر بغرابة هذا التبدل، وكأننا لا نعرف أنفسنا، أو كأن جزءًا منا يتوارى ليظهر جزء آخر لم نألفه بعد
لكن هل يعني ذلك أننا أصبحنا أشخاصًا مختلفين؟
ربما لا
لعل ما نراه تناقضا في تغيرنا ليس إلا امتدادا طبيعيا لأجزاء متعددة تسكننا، لا خللًا في حقيقتنا
وما يرهقنا ليس التغير ذاته، بل اعتقادنا أن اختلافنا يعني أننا لسنا على طبيعتنا، وأن علينا أن نحافظ على صورة واحدة لأنفسنا، بينما قد يكون هذا الشعور مجرد فكرة ترسخت في وعينا دون أن ننتبه إليها
لذلك، إن شعرنا يوما أننا لا نشبه أنفسنا، أو أننا نتصرف بطريقة لا نفهمها، فلا يعني ذلك أننا ضائعون، ولا أننا ابتعدنا عن حقيقتنا
ربما نحن فقط..نكتشف جزءًا لم نعتد عليه بعد
وحين ننظر إلى أنفسنا بهذه الطريقة، قد لا يعود هذا التبدل تناقضا، بل اتساقا وانسيابا مع هذا الكون
فكما لا يسير الكون على وتيرة واحدة، ولا تبقى الأشياء على حالها، كذلك نحن نتبدل، ونتشكل، ونمتد إلى أكثر من صورة، دون أن نفقد حقيقتنا
وربما يكون السؤال الأهم بين كل هذه التساؤلات هو
لماذا تظهر شخصيات مختلفة منا؟
نميل أحيانا إلى الاعتقاد بأن تغيرنا بين موقف وآخر يعني أننا نتصنع، أو أننا نخفي حقيقتنا، لكن هل الأمر كذلك فعلًا؟
ربما لا يكون الإنسان شخصية ثابتة تسير على وتيرة واحدة، بل كيانا يستجيب للسياق الذي يوجد فيه. فلكل موقف ما يستدعيه، ولكل علاقة جزءًا مختلفًا منا يدعوه إلى الظهور
قد نستمتع أكثر مع شخص، ونتحدث أكثر مع آخر، ونلجأ إلى الصمت في مكان، وإلى العفوية في مكان آخر ولا يعني ذلك أننا نرتدي أقنعة جديدة في كل مرة، بل إن المواقف المختلفة تكشف جوانب مختلفة كانت كامنة في داخلنا
ولهذا، فإن كل موقف نمر به لا يصنع فينا شخصية جديدة، بل يكشف جزءا كان موجودًا أصلًا، ينتظر الظرف الذي يسمح له بالظهور
ولعل من أكثر الأفكار التي تستحق التأمل أن ما يخرج من الإنسان لا يولد في اللحظة نفسها، بل يخرج لأنه كان موجودًا فيه منذ البداية فالشجاعة لا تظهر من العدم، كما أن اللين، والغضب، والصبر، والمرح، وحتى الصمت، ليست صفات يصنعها الموقف، بل بذور كامنة في داخلنا، يكشفها السياق حين يحين أوانها
وهكذا، يصبح كل موقف نعيشه أشبه بعدسة تكشف جانبا مختلفا من ذواتنا، لا مرآة تغير حقيقتنا وربما لهذا السبب نعجز أحيانًا عن تعريف أنفسنا بجملة واحدة لأننا لسنا صفة واحدة، ولا شخصية واحدة، بل مجموعة من الإمكانات التي تتجلى بقدر ما تستدعيه الحياة.
أسرار أبراهيم